أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

53

نثر الدر في المحاضرات

اجعلوا الملك لا ينبغي إلا لأبناء الملوك من بنات عمومتهم ، ولا يصلح من أولاد بنات العمّ إلّا كامل غير سخيف العقل ، ولا عازب الرأي ، ولا ناقص الجوارح ، ولا معتوب عليه في الدين ؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قلّ طلّاب الملك ، وإذا قل طلّابه استراح كل امرئ إلى ما يليه ، ونزع إلى جديلته ، وعرف حاله ، وغضّ بصره ، ورضي بمعيشته ، واستطاب زمانه . واعلموا أنه سيقول قائل من عرض رعيّتكم أو من ذوي قرابتكم : ما لأحد عليّ فضل لو كان لي ملك ، فإذا قال ذلك فقد تمنّى الملك وهو لا يشعر ، ويوشك أن يتمناه بعد ذلك وهو يشعر ، فلا يرى ذلك من رأيه خطلا ، ولا من فعله زللا ، وإنما يستخرج ذلك فراغ القلب واللسان مما يكلّف أهل الدين والكتّاب والحسّاب ، أو فراغ اليد مما يكلّف الأساورة ، أو فراغ البدن مما يكلّف التّجّار والمهنة والخدم . واعلموا أنا على فضل قوّتنا ، وإجابة الأمور إيانا ، وجدّة دولتنا ، وشدة بأس أنصارنا ، وحسن نيّة وزرائنا لم نستطع إحكام تفتيش الناس حتى بلغنا من الرعيّة مكروهها ، ومن أنفسنا مجهودها . واعلموا أن الملك ورعيته جميعا يحقّ عليهم ألّا يكون للفراغ عندهم موضع « فإن التضييع في فراغ الملك ، وفساد المملكة في فراغ الرعية » . واعلموا أنه لا بدّ من سخط سيحدث منكم على بعض إخوانكم المعروفين بالنصيحة لكم ، ولا بدّ من رضى سيحدث لكم على بعض أعدائكم المعروفين بالغش لكم ، فلا تحدثوا عندما يكون من ذلك ، انقباضا عن المعروف بالنصيحة ، ولا استرسالا إلى المعروف بالغش . وقد خلّفت لكم رأيي إذ لم أستطع تخليف بدني ، وقد حبوتكم بما حبوت به نفسي ، وقضيت حقكم فيما آسيتكم به من رأيي ، فاقضوا حقّي بالتشفيع لي في صلاح أنفسكم والتمسّك بعهدي إليكم ، فإني قد عهدت إليكم عهدي وفيه صلاح جميع ملوككم وعامتكم وخاصتكم ، ولن تضيعوا ما احتفظتم بما رسمت لكم ما لم تضعوا غيره ، فإذا تمسكتم به كان علامة في بقائكم ما بقي الدهر .